أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
105
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ويجوز أن يتعلق بالاستقرار الذي تعلق به « لَكَ » و « الباء » بمعنى « في » ، أي : ما ليس لك فيه علم . وفيه نظر . [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 47 إلى 49 ] قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ( 49 ) قوله : وَإِلَّا تَغْفِرْ . لم يمنع « لا » من عمل الجزم ، كما لم يمنع من عمل الجار في نحو : « جئت بلا زاد » . قال أبو البقاء : « لأنها كالجزء من الفعل وهي غير عاملة في النفي ، وهي ينفى بها ما في المستقبل ، وليس كذلك : « ما » ، فإنها ينفى بها ما في الحال ، فلذلك لم يجز أن تدخل ، « إن » عليها . قوله : قِيلَ يا نُوحُ الخلاف المتقدم في قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا * وشبهه عائد هنا : أي في كون القائم مقام الفاعل الجملة المحكية أو ضمير مصدر الفعل . قوله : بِسَلامٍ حال من فاعل « اهْبِطْ » ، أي : ملتبسا بسلام ، و « مِنَّا » صفة ل « سلام » فيتعلق بمحذوف أو هو متعلق بنفس « سلام » وابتداء الغاية مجاز ، وكذلك « عَلَيْكَ » يجوز أن يكون صفة ل « بَرَكاتٍ » ، أو متعلقا بها . قوله : مِمَّنْ مَعَكَ يجوز في « من » أن تكون لابتداء الغاية ، أي : ناشئة من الذين معك ، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر ، ويجوز أن تكون « من » لبيان الجنس فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة ، لأنهم كانوا جماعات . وقرىء : « اهبط » بضم الباء ، وقد تقدم أول البقرة ، وقرأ الكسائي فيما نقل عنه « وبركة » بالتوحيد . قوله : وَأُمَمٌ يجوز أن يكون مبتدأ ، و « سَنُمَتِّعُهُمْ » ، خبره ، وفي مسوّغ الابتداء وجهان : أحدهما : الوصف التقديري ، إذ التقدير : وأمم منهم ، أي : ممن معك كقولهم : « السّمن منوان بدرهم » ف « منوان » مبتدأ لوصفه ب « منه » تقديرا . والثاني : أن المسوغ لذلك التفصيل نحو : « الناس رجلان ، رجل أهنت ، ورجل أكرمت » ، ومنه قول امرئ القيس : 2691 - إذا بكى من خلفها انحرفت له * بشقّ وشقّ عندنا لم يحوّل « 1 » ويجوز أن يكون مرفوعا بالفاعلية عطفا على الضمير المستتر في « اهْبِطْ » وأعني : القصد عن التأكيد بالضمير المنفصل ، قاله أبو البقاء . قال الشيخ « 2 » : وهذا التقدير والمعنى لا يصلحان ، لأن الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين ،
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 231 ) .